جلال الدين السيوطي
157
الإتقان في علوم القرآن
للإشارة إلى اختصاصه بهؤلاء الذين شأنهم ما ذكره عنهم في آخر الآية ، عدولا من الخطاب العام إلى الخاص . قلت : ورأيت عن بعض السلف في توجيهه عكس ذلك ؛ وهو : أنّ الخطاب أوّله خاصّ وآخره عام . فأخرج ابن أبي حاتم ، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، أنه قال في قوله : حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ [ يونس : 22 ] قال : ذكر الحديث عنهم ، ثم حدّث عن غيرهم ، ولم يقل : ( وجرين بكم ) لأنه قصد أن يجمعهم وغيرهم ، وجرين بهؤلاء وغيرهم من الخلق . هذه عبارته ؛ فلله درّ السلف ما كان أوقفهم على المعاني اللطيفة التي يدأب المتأخّرون فيها زمانا طويلا ، ويفنون فيها أعمارهم ، ثم غايتهم أن يحوموا حول الحمى . وممّا ذكر في توجيهه أيضا : أنهم وقت الركوب حضروا ، لأنهم خافوا الهلاك وغلبة الرياح ، فخاطبهم خطاب الحاضرين . ثم لما جرت الرياح بما تشتهي السّفن ، وأمنوا الهلاك ، لم يبق حضورهم كما كان ، على عادة الإنسان أنّه إذا أمن غاب قلبه عن ربه ، فلما غابوا ذكّرهم اللّه بصيغة الغيبة . وهذه إشارة صوفية « 1 » . ومن أمثلته أيضا : وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ [ الروم : 39 ] ، وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ [ الحجرات : 7 ] ، ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ ( 70 ) يُطافُ عَلَيْهِمْ ، والأصل : ( عليكم ) . ثم قال : وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ [ الزخرف : 70 ، 71 ] فكرّر الالتفات « 2 » . ومثاله من الغيبة إلى التكلم : وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ [ فاطر : 9 ] ، وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا [ فصلت : 12 ] ، سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ إلى قوله : بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا . ثم التفت ثانيا إلى الغيبة ، فقال : إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ الإسراء : 1 ] . وعلى قراءة الحسن ( ليريه ) « 3 » بالغيبة يكون التفاتا ثانيا من بارَكْنا وفي آياتِنا التفات ثالث ، وفي إِنَّهُ التفات رابع .
--> ( 1 ) انظر البرهان 2 / 318 . ( 2 ) انظر البرهان 3 / 318 - 319 . ( 3 ) انظر الرياحين العطرة شرح الفوائد المعتبرة في القراءات الشاذة ص 98 ، والبحر المحيط 6 / 6 - 7 .